في الذكرى الـ92 لميلادها: سميرة عزام من رائدات التنوير في فلسطين

سميرة عزام

تاريخ النشر : 09/21/2019 : 11:33 أخر تحديث : 11/09/2019 : 09:35

احتفاءً بذكرى ولادتها الـ92 شكّلت سميرة قيصر عزام (1927-1967 ) بعمرها القصير صوتا تنويريا نسويا رائدا في حركة النهضة في فلسطين، وزهرة فوّاحة في حديقة القصّة العربية، كما شكّلت أعمالها القصصية المحمولة بأصوات النساء والهادلة بتحرّر المرأة ومساواتها بالرجل، والمكرّسة للمتعبين والمهمّشين في الحياة مشكاة القصة القصيرة الفلسطينية.



بتاريخ 31 يناير/كانون الثاني عام 1947 نشرت سميرة عزام وهي في العشرين ربيعا مقالة جريئة في مجلة «المنتدى» الفلسطينية بعنوان «المرأة بين عهدين» عالجت فيها تطوّر النهضة النسائية الفلسطينية بعد التهميش والإقصاء، بتحليل وبرؤية علمية ورد فيها «فالمرأة منذ مدة ليست بالطويلة، لم تكن شيئا مذكورا في النهضة العامة، بل لم تكن شيئا على الإطلاق. فقد كانت تعيش بين جدران الحريم مغلّلة بقيود من الآراء والتقاليد السخيفة، يخيّم عليها جو من الجهل والخرافات، والعالم حولها يدور صاخبا يفيض بالنشاط والنضال، بينما فرض عليها أن تحيا في خمول مطبق لا عن كسل غريزيّ، بل لأنّ موجات من الآراء الرجعية كانت تكتسح كل بادرة من بوادر النهضة، فلم تكن تملك ـ والحالة هذه – سوى الانطواء على نفسها، والانزواء في زاويتها محاولة إقناع نفسها بتلك الحياة المحدودة الرغبات ـ إن صحّ أن تسمّى حياة «، كما دعت الكاتبة إلى تثقيف المرأة لأنّها لن تكون شريكة حقيقية للرجل ما لم ترتفع إلى مستواه، فتتثقّف مثله وتصبح صنوا له في كافة الحقوق وإن كان الرجل من منظورها في بلادنا لا يزال محروما من أكثر حقوق الرجل الواعي، وختمت مقالها بالفكر النيّر القائل بأنّ تحرّر المرأة هو معيار لتحرّر المجتمع واستشرفت مستقبل لمرأة الفلسطينية فخطّ يراعها «وهي تدرك تماما أنّها ما زالت في نصف الطريق غير أنّ إيمانها الشديد برسالتها وحماستها المتدفّقة لتأديتها كفيلان بإيصالها إلى ما تبقّى من حرية تكون أساسا لحرية الشعب»، هذه الشذرات الفكرية التحرّرية المكتوبة قبل سبعة عقود ونيّف تشكّل مانيفستو تحرّريا للمرأة الفلسطينية في زمن القحط والجدب.



الظل الكبير



أصدرت سميرة عزام مجموعتها القصصية الأولى «أشياء صغيرة» عام 1954، والقصّة القصيرة الفلسطينية بعد في القماط من حيث المعمار الفنّي والنضوج الموضوعيّ، ثمّ أصدرت مجموعات أخرى «الظل الكبير» 1956، «وقصص أخرى» 1960، «الساعة والإنسان» 1963. وبعد وفاتها صدرت لها مجموعتان» «العيد من النافذة الغربية»1971، و« أصداء» 1997. في قصصها الاجتماعية الغائرة في أعماق النفس، التي تشكّل مرايا عاكسة لحياة الناس، تتراءى المرأة المقموعة والمشظّاة في المجتمع الذكوري وطقوسه المهلّلة للرجل، فقصّة « نصيب» تصوّر انسياق زواج ابنة المدارس العصرية بمن لا تحبّ، بتأثير أمها وصويحباتها بذريعة النصيب الذي تنعته الكاتبة «مخدر مسلوبي الإرادة»، وعبثا حاولت العروس الثورة والرفض يوم زواجها في طقس صلاة إكليلها، حين أجابت بالرفض على سؤال الكاهن «تريدين فلانا زوجا لك؟». صيحتها هذه لم يسمعها أحد لا الكاهن ولا الناس، فقد ابتلعتها أصوات الحناجر الصادحة والمهلّلة سلفا لزواجهما. وفي قصة «ستائر وردية يحضر أبو خليل المزواج، الذي تزوّج أكثر من عشر نساء، وظل بيته يعمر بالزوجات ويفرغ، وقد وخزته الكاتبة بسخرية مرّة حين نعتته «ذوّاقة نساء، ولكن في الحلال». وفي قصة «الغريمة» تبرز إرهاصات التكنولوجيا الصادمة التي صادرت سعادة الإنسان، فالزوج يضرب زوجته، التي فصلت من عملها بعد أن حلّت الآلة محلها، أي أنّ «غسالة الكهرباء» سلبتها رزقها في المدينة. هذه الصور للرجل القامع وقنّاص النساء تتكرّر في قصصها، ففي «الظل الكبير» محاضر وكاتب يستدرج صبية إلى صومعته للنقاش الفكري، وهناك يهوي على فمها بقبلة ويطلب منها الابتعاد عن الفلسفة والسفسطة ووجع الرأس، وهي التي سايرته مستسلمة تمسح دموعها وتخرج من صومعته مشحونة بالرفض في عتمة المساء.



تمجيد المعاقين



قصة «سأتعشى الليلة» تحمل نزعة إنسانية اتجاه المعاقين جسديا، وتحتفي بنجاحهم في الحياة، فهي تبرز إرادتهم وقدرتهم في العمل والشموخ، وتدحض الصورة النمطية الدونية التي يحملها المجتمع تجاههم، فهم بتشكيل الكاتبة لا يريدون الشفقة وتوسل الصدقات إنّهم عصاميون حتى النخاع .



اللقاء المشتهى



حمل يراع سميرة عزام بفعل إسقاطات النكبة الفلسطينية مدادا مترعا بالحزن والأسى والذكريات المرّة والانكسار وفي الوقت نفسه حمل استشراف الفرح وأمل اللقاء بين شطري البرتقالة. لقد طوّحت بها النكبة مثل شخصيات قصصها في التيه والمنفى، فعاشت التشتّت والوجع، ثمّ لفحتها نكسة يونيو/حزيران فخبا مصباحها وهي في عقدها الرابع. لقد أرّق شخصياتها مرور الزمن وامتداد التغريبة الفلسطينيّة وهي الرائية من بعيد لمتوالية الفواجع وجزر التيه. حملت سميرة عزام مدائن وطنها القدس وحيفا والناصرة وعكا في عملها التخييليّ، وتماهت مع شخصياتها الصاخبة والقلقة.



في «عام آخر» تجترح أقسى صور النكبة بأمّ عبّود الفلسطينية اليافية المولد، اللاجئة في سوريا والتي تأتي بوابة مندلباوم في القدس عبر الأردن للقاء ابنتها ماري، التي تعيش في الناصرة، والتي لم ترها منذ سبع سنوات. في بوابة مندلباوم المترعة بالأحزان والدموع، ماري لا تأتي، وقد بعثت لها مع رجل ناصري سلامًا واعتذارًا عن عدم مجيئها بسبب مرض زوجها.. ووعدت أن تأتي لملاقاتها بعد عام. فأرسلت أم عبود معه السلة الملآى بالملابس وحملته وعدًا لابنتها «إذا عشت عامًا آخر فسآتي إليها زاحفة على قدمي».. إنّها سخرية مرّة وسوداوية قاتلة وصرخة احتجاج في وجه الحياة التي قصمت أسرة «أم عبود».. إنّها قصّة تحكي العبث الوجودي بخصوصية فلسطينية وتتعالق مع مسرحية «في انتظار غودو» لصموئيل بيكيت.



الوجع الفلسطيني



تتجلّى الباروديا في أعمالها الأولى بعيد النكبة خاصة في قصّة «ثورة الأجراس» المكتوبة بتاريخ 1950/3/11 في مجموعتها «أصداء» المتشابهة مع «مجنون الجرس» في (العيد من النافذة الغربية) والتي نوّه بها الكاتب صقر أبو فخر في تقديمه لمجموعة (أصداء) قائلا « والمفاجئ، هنا، أن نجد سميرة عزام ، خلافا للشائع، وقد كتبت سنة 1950 قصّة دافئة عن لاجئ فلسطينيّ إلى لبنان كان الشماس يمنعه قرع أجراس الكنيسة، فعاش زمنا يحرقه شوق العودة إلى فلسطين فقط لكي يقرع أجراس الكنيسة في قريته». إنّ رسم هذا الإقصاء للاجئ الفلسطيني في القرية اللبنانية أبي عطاالله حتى من قرع جرس الكنيسة من قبل الشمّاس المدجّن أو المسيّر من قبل مؤسسات السلطة، ما هو إلا صرخة غضب واحتجاج في «عالم ليس لنا» بلغة كنفاني. وهذا الرفض ولّد لديه الاغتراب والانفجار ففي نهاية القصّة يثور أبو عطالله ويقوم قبيل الفجر بقرع أجراس الكنيسة بدون استئذان أحد. وفي قصّة « زغاريد « من مجموعة «الظل الكبير» تصوّر صدمة النكبة وإسقاطاتها على المرأة الفلسطينية ممثلة بسلمى الصوّاف «أم جميل» التي تعيش في يافا فتبكي وتنهار وتفقد صوابها وتلجأ إلى الغرائبية واللامعقول في إقامة إكليل في بيتها، متماهية مع إكليل ابنها في بيروت. هذا الانكسار من عدم تمكن الأم حضور إكليل وحيدها في بيروت يمثل التغريبة الفلسطينية عامة وإسقاطات النكبة على الإنسان الفلسطيني بعد خسارة البشر والحجر.



سميرة وعصا الترحال



عاشت سميرة حياة قلق وصخب وعانت مثل شخصيات قصصها المشروخة والمنشطرة منها، فقد طردت من العراق عام 1958 إلى بيروت حين تولى عبد الكريم قاسم الحكم، وكما ذكر الكاتب وسفير السودان في العراق آنذاك جمال محمد أحمد في مقالته «ذكريات مع سميرة عزام» المنشورة في العدد الخاص بها من مجلة «الآداب» ع1 1968 حين طلبت مساعدته « فجاءت سميرة للنقطة ، قالت إسمع، وأصغيت: لقد قرر «الزعيم الأوحد» أن أخرج من بغداد في أربع وعشرين ساعة، مضت الآن منها بضع ساعات …» وقد حاول مساعدتها والتقى الزعيم في مكتبه لهذا الأمر فوعده وطمأنه، لكنه في الواقع لم يف بوعده، فقد مددت إقامتها 12 ساعة أخرى وطردت. تركت سميرة إرثا أدبيا عميقا، لغة ومواضيع . ورسم يراعها قصص الممتهنين والمذلين في الحياة بحسّ مرهف ولغة شاعرية، وصور الحزن والوجع الفلسطيني الموعود بالفرح. لم ترحل سميرة عن الوطن ـ المكان الأول، بل بقي مسكونا فيها ومحمولا معها ببنائه الهندسيّ التفصيليّ وعلائقه الروحية والذكريات. واكبت قصصها الصيرورة والتحولات الاجتماعية وانتصرت للمتعبين والمهمّشين، لكن الزمن خذلها كما خذل شخصياتها من قبل، فانكسر قلبها الوجيع وهي في طريقها إلى عمان.. ورحلت هذه الأيقونة القصصية الفلسطينية بعد شهر من نكسة يونيو مثل سمفونية حزينة.

- الكاتب: سمير حاج


المصدر: بال بلس - وكالات